عبد الله بن أحمد النسفي
142
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 165 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ( 165 ) يدبّ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ الريح حمزة وعلي ، أي وتقليبها في مهابها قبولا ودبورا وجنوبا وشمالا ، وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقما ولواقح . وقيل تارة بالرحمة وطورا بالعذاب وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ المذلّل المنقاد لمشيئة اللّه تعالى فيمطر حيث شاء بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ في الهواء لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون ، فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها . وفي الحديث : ( ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها ) « 1 » أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها . 165 - وَمِنَ النَّاسِ أي ومع هذا البرهان النيّر ، من الناس مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً أمثالا من الأصنام يُحِبُّونَهُمْ يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب كَحُبِّ اللَّهِ كتعظيم اللّه والخضوع له ، أي يحبون الأصنام كما يحبون اللّه يعني يسوون بينهم وبينه في محبتهم لأنّهم كانوا يقرّون باللّه ويتقربون إليه . وقيل يحبونهم كحبّ المؤمنين اللّه وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من المشركين لآلهتهم ، لأنّهم لا يعدلون عنه إلى غيره بحال ، والمشركون يعدلون عن أندادهم إلى اللّه عند الشدائد فيفزعون إليه ويخضعون له « 2 » وَلَوْ يَرَى ترى نافع وشامي على خطاب الرسول ، أو كلّ مخاطب ، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما الَّذِينَ ظَلَمُوا إشارة إلى متخذي الأنداد إِذْ يَرَوْنَ يرون شامي الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً حال وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ شديد عذابه ، أي ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أنّ القدرة كلّها للّه تعالى على كل شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم ، ويعلمون شدّة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ، فحذف الجواب لأنّ لو إذا جاء فيما يشوّق إليه أو إلى ما « 3 » يخوّف منه قلما يوصل بجواب ليذهب القلب فيه كلّ مذهب . ولو يليها الماضي ، وكذا إذ وضعها لتدلّ على الماضي ، وإنّما دخلتا على المستقبل هنا لأنّ إخبار اللّه تعالى عن المستقبل باعتبار صدقه كالماضي .
--> ( 1 ) كنز العمال 1 / 2576 وفيه : ويل لمن قرأ هذه الآية ثم لم يتفكر فيها ، يعني إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ . ( 2 ) ليس في ( ز ) له . ( 3 ) ليس في ( ظ ) و ( ز ) إلى ما .